ابن عجيبة
197
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولما أرادت بلقيس الخروج إلى سليمان ، جعلت عرشها في آخر سبعة أبيات ، وغلّقت الأبواب ، وجعلت عليه حراسا يحفظونه ، وبعثت إلى سليمان : إني قادمة إليك ؛ لأنظر ما الذي تدعو إليه ، وشخصت إليه في اثنى عشر ألف قيل « 1 » ، تحت كل قيل ألوف ، فلما بلغت على رأس فرسخ من سليمان ، قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ، أراد أن يريها بذلك بعض ما خصه اللّه تعالى به ، من إجراء العجائب على يده ، مع اطلاعها على عظيم قدرة اللّه تعالى ، وعلى ما يشهد لنبوة سليمان . أو : أراد أن يأخذه قبل أن تتحصن بالإسلام ، فلا يحل له ، والأول أليق بمنصب النبوة ، أو : أراد أن يختبرها في عقلها ، بتغييره ، هل تعرفه أو تنكره . قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ ، وهو المارد الخبيث ، واسمه « ذكوان » ، أو : « صخر » : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي : من مجلسك إلى الحكومة ، وكان يجلس إلى تسع النهار ، وقيل : إلى نصفه . وَإِنِّي عَلَيْهِ ؛ على حمله لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ، آتى به على ما هو عليه ، لا أغيّر منه شيئا ولا أبدله ، فقال سليمان عليه السّلام ، أريد أعجل من هذا ، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ . قيل هو : آصف بن برخيا - وزير سليمان عليه السّلام ، كان عنده اسم اللّه الأعظم ، الذي إذا سئل به أجاب . قيل هو : يا حىّ يا قيوم ، أو : يا ذا الجلال والإكرام ، أو : يا إلهنا وإله كل شئ ، إلها واحدا ، لا إله إلا أنت . وليس الشأن معرفة الاسم ، إنما الشأن أن يكون عين الاسم ، أي : عين مسمى الاسم ، حتى يكون أمره بأمر اللّه . وقيل : هو الخضر ، أو : جبريل ، أو : ملك بيده كتاب المقادير ، أرسله تعالى عند قول العفريت . والأول أشهر « 2 » . قال : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ أي : ترسل طرفك إلى شئ ، فقبل أن ترده تبصر العرش بين يديك . روى : أن آصف قال لسليمان : مدّ عينيك حتى ينتهى طرفك ، فمدّ عينيه ، فنظر نحو اليمن ، فدعا آصف ، فغار العرش في مكانه ، ثم نبع عند مجلس سليمان ، بقدرة اللّه تعالى ، قبل أن يرجع إليه طرفه . فَلَمَّا رَآهُ أي : العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ؛ ثابتا لديه غير مضطرب ، قالَ هذا أي : حصول مرادي ، وهو حضور العرش في مدة قليلة ، مِنْ فَضْلِ رَبِّي علىّ ، وإحسانه إلىّ ، بلا استحقاق منى ، بل هو فضل خال من العوض ، لِيَبْلُوَنِي : ليختبرنى أَ أَشْكُرُ نعمه أَمْ أَكْفُرُ ، وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ؛ لأنه يقيد به محصولها ، ويستجلب به مفقودها ، ويحط عن ذمته عناء الواجب ، ويتخلص من وصمة الكفران . وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ أي : ومن كفر بترك الشكر ، فإن ربى غنى عن شكره ، كريم بترك تعجيل العقوبة إليه . وفي الخبر : « من شكر النعم فقد قيّدها بعقالها ، ومن لم يشكر فقد تعرض لزوالها » .
--> ( 1 ) القيل : الملك من ملوك اليمن في الجاهلية ، دون الملك الأعظم . وجمعه : أقيال وقيول . انظر اللسان ( 5 / 3798 ، مادة قيل ) . ( 2 ) انظر هذه الأقوال في تفسير الطبري ( 19 / 162 - 163 ) وتفسير البغوي ( 6 / 164 ) .